قضية الزيوت المسمومة سنة 1959
زيوت مسمومة وجناة أحرار
في سنة 1959، استيقظ المغاربة من مدن «سيدي سليمان» و«سيدي يحيى» على أعراض مرضية غريبة وغير واضحة المعالم، وفيات، تشوهات وعاهات، ليكتشف الناس فيما بعد أن هؤلاء استهلكوا زيوتا تستعمل لاشتغال الآليات والمعدات العسكرية، بعد أن أدخلت إلى السوق بعد خلطها بنسب قليلة من الزيت العادية المعدة لاستهلاك، وهو ما أصبح يعرف بقضية «الزيوت المسمومة»
ويعود مصدر الزيوت إلى القواعد الأمريكية التي كانت متواجدة بالمغرب في عهد الملك الراحل محمد الخامس، وعندما كانت تستعد لمغادرة المغرب، لجأت إلى التخلص من تلك الزيوت التي كانت تعرف في أميركا باسم «تي إس بي» وهي تستعمل في محركات طائرات عسكرية ، نقلت من القواعد العسكرية الأميركية في «سيدي سليمان» و»سيدي يحيى» و»القنيطرة» في منطقة الغرب إلى مكناس في وسط البلاد، ومزجت مع زيت طعام في مزارع كانت في ملكية الدولة المغربية.
مزجت هذه الزيوت السامة بنسبة 67 في المائة والباقي 33 في المائة من الزيوت الطبيعية في قنينات من لتر واحد، وبيعت للمواطنين على أنها زيوت صالحة للاستهلاك.
مات مواطنون نتيجة استهلاكهم لتلك الزيوت، في الوقت الذي كانت سببا في إصابة آخرين بعاهات وأمراض مزمنة، وبلغ عدد ضحايا الزيوت المسمومة أكثر من 20 ألف مغربي، إذ أصيبت غالبيتهم بتشوهات وعاهات مستديمة، إضافة إلى الشلل النصفي، وسجلت فاس وتازة أكبر عدد من الضحايا.
بعد تقصي الحقائق في الملف تبين تورط العشرات من الموظفين، الذين حرصوا عن قصد وسبق تخطيط بمزج الزيوت السامة بنسبة كبيرة مع الزيوت الصالحة للأكل.
وكان الملك الرحل محمد الخامس قد قرر تخصيص عائدات تنبر من فئة 4 دراهم للضحايا، ورغم مرور أكثر من 50 سنة على انفجار القضية وقرار محمد الخامس، إلا أن العائدات التي جمعت لم تصرف بشكل يستجيب لمرور السنين، إذ عادت مجددا إلى الواجهة بعد أن نظم الضحايا الذين يعاني أغلبهم من عاهات مستديمة وأمراض مزمنة غير قابلة للعلاج، وقفة أمام مقر وزارة الاقتصاد والمالية.
وتمت الاستجابة للرفع من قيمة التعويضات الشهرية للضحايا، بعد التوصل إلى اتفاقية بين كل من وزير الاقتصاد والمالية صلاح الدين مزوار، ووزيرة الصحة ياسمينة بادو، والوزير المنتدب لدى الوزير الأول المكلف بإدارة الدفاع الوطني، وممثل مؤسسة الحسن الثاني للأعمال الاجتماعية لقدماء العسكريين وقدماء المحاربين عبد الرحمن السباعي، ورئيس العصبة المغربية لضحايا الزيوت المسمومة جويليل الحسن اليماني.
ورغم التعويضات والإعانات الشهرية، حيث رفعت التعويضات إلى ألف ردهم بدل 75 درهما للبالغين، 200 درهم لأقل من 21 سنة، إلا أن الجناة لم تعرف إليهم العدالة طريقا، وحتى بعد محاكمتهم والزج بهم في السجون، سرعان ما استفادوا من عفو ملكي بعد 3 سنوات فقط من إيداعهم السجن في هذا الجرم الجنائي.
